مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح 

في ذكري تأسيسه.. حيا الله أزهرنا وشيخه الجليل


في السابع من شهر رمضان من كل عام تتجدد في القلوب ذكرى تأسيس الجامع الأزهر حيث افتتح للصلاة في يوم الجمعة عام ٣٦١هجرية ، هذا الصرح الذي لم يكن مجرد مسجد تُقام فيه الصلوات، بل كان – ولا يزال – منارة علمٍ وهداية، ومحراب فكرٍ ووسطية، وقلعةً حصينة للدفاع عن صحيح الدين عبر القرون. تأسس الأزهر في القرن الرابع الهجري، فكان ميلاده إيذانًا ببزوغ فجرٍ جديد للعلم في مصر، ثم ما لبث أن صار قبلة طلاب المعرفة من شتى بقاع الأرض.
حيا الله أزهرنا، الذي حفظ للعلوم الشرعية مكانتها، وصان اللغة العربية، وحمل لواء التفسير والحديث والفقه وأصوله، والعقيدة الصحيحة القائمة على الاعتدال ونبذ الغلو. فما من حقبةٍ عصفت بالأمة بفتنٍ أو أفكارٍ دخيلة إلا وكان الأزهر حاضرًا بعلمائه، يذبّون عن الثوابت، ويردّون الشبهات بالحجة والبرهان، ويؤصلون لفقهٍ راشدٍ يراعي النصوص ومقاصدها، ويوازن بين الثابت والمتغير.
لم يكن الأزهر يومًا مدرسةً منغلقة، بل كان جامعةً مفتوحة للعالم الإسلامي والإنساني، استقبل الطلاب من إفريقيا وآسيا وأوروبا، فاختلطت على أرضه الألسنة والثقافات، ووحّد بينها هدفٌ واحد هو طلب العلم، في أروقته تشكّلت شخصيات علمية كبرى، وفي حلقاته تخرّج أئمة ودعاة وقضاة ومصلحون حملوا نور الأزهر إلى بلدانهم، فصار أثره ممتدًا في كل زاوية من العالم الإسلامي.
وإذا ذكر الأزهر ذُكر علماؤه، أولئك الرجال الذين باعوا أعمارهم في خدمة العلم. علماء جمعوا بين الفقه والورع، وبين المعرفة والعمل، فكانوا قدوةً قبل أن يكونوا معلمين. تصدّروا للفتوى حين عزّ الرجال، ووقفوا في وجه الانحراف حين اشتدت العواصف. كانوا ميزانًا للناس في الفتن، وصوت حكمةٍ في أزمنة الصخب، يذكرون الأمة بأن الدين رحمة، وأن الشريعة عدل، وأن الاختلاف لا يفسد للود قضية.
ومن بين صفحات التاريخ يطلّ علينا اسم الإمام أحمد الطيب، شيخ الأزهر الجليل، الذي حمل الأمانة في عصرٍ تتسارع فيه التحديات، وتتعاظم فيه الحاجة إلى خطابٍ ديني رشيد. وقف مدافعًا عن وسطية الإسلام، ومؤكدًا أن الأزهر سيبقى حصن الاعتدال، لا ينحاز إلا للعلم، ولا ينتصر إلا للقيم الإنسانية المشتركة. مدّ جسور الحوار مع مختلف المؤسسات الدينية والفكرية في العالم، ليؤكد أن رسالة الأزهر ليست محلية فحسب، بل عالمية الطابع والهدف.
لقد مرّ الأزهر بمراحل قوةٍ وضعف، بتحدياتٍ سياسية واجتماعية، لكنه ظل ثابت الجذور، عميق الأثر، قاوم محاولات التهميش، وتجاوز فترات الجمود، وجدد مناهجه، وواكب العصر مع الحفاظ على أصوله الراسخة. فالأزهر ليس مبنى أثريًا فحسب، بل روحٌ متجددة، كلما ظن البعض أنها خبت، إذا بها تتقد من جديد.
وفي ذكرى تأسيسه، نقف إجلالًا لهذا الصرح، ونتأمل مسؤوليته في حاضرنا ومستقبلنا. نحن في زمنٍ تتزاحم فيه المنصات، وتعلو فيه أصوات غير المتخصصين، فيختلط على الناس الصحيح بالسقيم. وهنا تتأكد أهمية الأزهر، ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كمرجعية علمية موثوقة، تُعيد الأمور إلى نصابها، وتضبط الخطاب الديني بضوابطه الشرعية والعلمية.
إن الحفاظ على مكانة الأزهر واجبٌ وطني وديني، يتطلب دعمًا مستمرًا لمؤسساته، وتشجيعًا لطلابه، وتقديرًا لعلمائه. فالأزهر هو ذاكرة الأمة العلمية، وجسرها إلى مستقبلٍ أكثر وعيًا ورشدًا. وإذا كانت الأمم تُقاس بمؤسساتها العريقة، فإن الأزهر أحد أعمدة الهوية المصرية والعربية والإسلامية.
حيا الله أزهرنا، وحفظ علماؤه، وأيّد شيخه الجليل، وأدام عليه رسالته نورًا وهداية. وليبقَ الأزهر – كما كان عبر تاريخه – منارةً تُبدد ظلمات الجهل، وتجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم. ففي ظلاله تعلمنا أن قوة الدين في علمه، وأن عظمة الأمة في اعتدالها، وأن المستقبل لا يُصنع إلا بعلمٍ راسخٍ وقلبٍ رحيم.